أبي منصور الماتريدي

80

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [ الحجرات : 2 ] ؛ فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله تعالى صدورهن ويفسح قلوبهن ؛ لاحتمال ذلك . ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما ؛ لأنا امتحنا بمعرفة ما ضمنته هذه الآية والاعتقاد بذلك « 1 » وهي « 2 » قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر إلى وجه لا يلحق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم به ثم بنقص ؛ فيسلم من المؤاخذة ؛ فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي ، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر . وجائز أن يكون العتاب ؛ لمكان مارية ، إن كانت [ قصة التحريم ] « 3 » من أجلها ؛ لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لما أذن له بإمساك مارية ، ولم يندب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج ، فإنما تتوصل إلى قضاء شهوتها برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم هو بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق ، إذ الأمة لاحظ لها في القسم ؛ فيلحقه العتاب من هذه الجهة ، ولكن لما كان لها فيه مطمع ، وهو بالتحريم قطع طمعها ، فقيل له : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ قضاء تلك الشهوة ، أي : لم تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباحها الله تعالى لها ، فيكون في العتاب دعاء له إلى [ أن يعمل ] « 4 » بأحد الوجهين : أحدهما : وهو أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه ، وإن لم يكن لها فيما طمعت حق ، والله أعلم . والمحنة الثانية علينا : ألا ننسب إلى أزواج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات ؛ لأن لأزواجه علينا حق الأمهات ، فإن أمكنا أن نخرج من أمرهن وجها يسلم عن تنقصهن فعلنا ، وإلا أمسكنا عن ذكره ؛ خشية التنقص ، وترك التبجيل والتعظيم ؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] ، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ورضي عنهن إلا خيرا ، وألا ينظر إليهن إلا بعين التعظيم ، وقال أيضا : سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [ النور : 16 ] ، وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن كانت كيت وكيت ؛ لما يتوهم أن يكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا فنكون قد أعظمنا القول

--> ( 1 ) في ب : لذلك . ( 2 ) في أ : وهم . ( 3 ) في أ : القصة . ( 4 ) في ب : العمل .